Download PDF

,, نعرف أنك وزير الثقافة في عهد بورقيبة والكاتب والقاص والروائي والمؤرخ والمفكر.. وماذا أيضاً؟
– أترك للنقاد تصنيفي وفي أية خانة يضعونني.
,, يقولون الآن إنك أحسن وزير ثقافة عرفته تونس على مدى ستين سنة منذ استقلالها.. وأنت ماذا تقول؟
– كان حظي أن كنت منذ أول شبابي وأنا في المدرسة الصادقية سياسياً وثقافياً في رعاية ثلة من زعماء الحزب الدستوري الجديد الذين تبنوا المشروع الإصلاحي الحداثي الذي أسسته نخبة من المصلحين خريجي جامع الزيتونة.
,, ما أكبر إنجاز حققته عندما كنت وزيراً للثقافة؟
– في الواقع أن أسباب بقاء جل ما أنجزته متأتية من الاعتماد على مشروع تنموي ثقافي متكامل كان ثمرة اقتراحات عشرات المثقفين والفنانين والمبدعين الذين وجدوا في الوزير الأول محمد مزالي وحكومته الصدق والكفاءة في تجسيد ذلك في قوانين أصبحت من مؤسسات الدولة ك «بيت الحكمة» مثلاً.
,, ما المشروع الذي أردت تحقيقه ولم تستطع؟
– اقتراح الحكومة التونسية المتمثل في جمع قمة ثقافية عربية للاتفاق على تطبيق الخطة الثقافية الشاملة التي أنجزتها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم «الألكسو».
,, لماذا؟
– كل هذا أُجْهِضَ وبالخصوص القمة الثقافية العربية بعد رحيل حكومة محمد مزالي وتعيين وزير آخر للثقافة.
,, ما أكبر مشكل كان يعترضك في عملك كوزير؟
– اعتبار وزارتَيْ المالية والاقتصاد المشروع الثقافي أمراً ثانوياً ومن باب الترف.
,, هذا المشكل هل تغلبت عليه أم غلبك؟
– تغلبت عليه في الجملة.
,, كيف؟
– بفضل دعم الوزير الأول محمد مزالي المقتنع بالمشروع الذي ظل دائماً منذ تأسيسه لمجلة «الفكر» سنة 1955م يساند المقترحات التي لم تفتأ رئاسة التحرير وأسرتها تبرزها للقراء.
,, هل صحيح أنك لولا الراحل الأستاذ محمد مزالي لما أصبحت وزيراً للثقافة؟
– نعم. لأن العروض التي كانت تأتيني للتدرج في سلم المسؤوليات الإدارية تشترط مني ضمنياً أن أتخلى عن رئاسة تحرير مجلة «الفكر».
,, متى التقيت بمزالي لأول مرة في حياتك؟
– سنة 1950م في نادي جامعة تونس والأحواز التابعة للحزب الحر الدستوري الجديد هو كأستاذ في المدرسة الصادقية وأنا تلميذ بها.
,, بعد إقالة مزالي من الوزارة الأولى من قبل بورقيبة في صيف 1986م أقالك بورقيبة مباشرة من وزارة الثقافة.. لماذا؟
– لا!.. أقالني في 12 مايو 1986م في سياق ما سمّي بمسلسل الاثنين وهي عملية تمثلت في إقالة وزير محسوب على الوزير الأول كل أسبوع وفيها إضعاف له مع طمأنة بورقيبة له بطرق برع فيها وذلك خشية أن يرد الفعل إذ كانت بيده أجهزة الدولة كلها ليقع الإجهاز عليه في 8 يوليو 1986م.
,, يقال إن بورقيبة كان «يكرهك» لأنك تشبه الزعيم الراحل صالح بن يوسف عدوّه الأول الذي اغتالوه في فرانكفورت بألمانيا في أغسطس 1962م.. ما رأيك؟
– أول ما سمعت بذلك على صفحات مجلة «جون أفريك» ويظهر أن بورقيبة كان لا يسميني باسمي فيقول لمدير المراسم: «ذاك الشبيه بصالح بن يوسف».
,, ومع ذلك فأنت تحب بورقيبة، فهل ما زلت تحبه؟
– نعم، أحب بورقيبة منذ شبابي كزعيم وما زلت أحبه.
,, لماذا؟
– لأنه تبنى المشروع الإصلاحي الحداثي التونسي وعمل على تنفيذه ببصيرة نافذة وإرادة سياسية قوية وحكيمة ونجح في ذلك أي نجاح.
,, وما أكبر خطأ قام به في حياته؟
– قبوله الرئاسة مدى الحياة.
,, ثلاثة عناصر في ثلاث كلمات تفسّر قوة شخصية صديقك محمد مزالي؟
– الإرادة – الديموقراطية – نبل الأخلاق.
,, وثلاثة عيوب؟
– المحاسن الثلاثة تصبح عيوباً إذا كانت في غير أهلها.
,, في رأيك ما السبب الحقيقي الذي جعل بورقيبة ينقلب على وزيره الأول محمد مزالي؟
– حسب رأيي هو غضب الولايات المتحدة على مزالي لأنه فتح باب التعاون مع الصين والاتحاد السوفياتي.
,, هناك رأي في تونس وفي الوطن العربي يعتبر أن مزالي لم يكن يصلح للسياسة لأنه كاتب ومفكر وأديب.. هل أنت مع هذا الرأي؟
– لا! لأنه منذ سنة 1956م وهو يتقلب في عدة وزارات: الشباب والرياضة، والتربية «ثلاث مرات»، والدفاع، والإذاعة والتلفزة، ونجح فيها كلها وإنجازاته فيها ما تزال ماثلة للعيان.
,, مجلة «الفكر» التي أسسها وأدارها محمد مزالي وكنت رئيس تحريرها، هل أنت مستعد لإعادة إصدارها الآن؟
– كانت مجلة «الفكر» مبنية على التطوع مثل مجلتي «الندوة و«المباحث» فلم يأخذ لا مديرها ولا رئيس تحريرها ولا كُتَّابها ولو مليماً واحداً عدا بعض الاستثناءات. وهي تستدعي حضوراً بالمطبعة متواصلاً في كل مراحل الإنجاز وهو ما لا أقدر عليه اليوم.
,, ولو طُلب منك اليوم أن تعود وزيراً للثقافة في ظل أوضاعها الراهنة، هل تقبل ذلك؟
– لا!.
,, لماذا؟
– لأن لي مشروعاً ثقافياً ما أنفك أنشر بنوده منذ أكثر من ربع قرن مع التحيين المتواصل ليفضي إلى برلمان للمثقفين يكون بمثابة سلطة رابعة حقيقية تراقب وتقترح مستندة إلى هيئة مستقلة للحقوق والقيم الثقافية.
,, عندما كنت وزيراً، كثيرون ساعدتهم، وكثيرون تقربوا منك وصفقوا لك وتملقوا ونافقوا، أين هم الآن؟
– في الواقع لا أشغل نفسي بهذا، ثم إني ما فتئت أسمع من حين لآخر من ينوه بي ويريد تكريمي وأخيراً كرمتني وزيرة الثقافة سنية مبارك جزاها الله خيراً.
,, لنفترض أنك عدت إلى وزارة الثقافة ما أول قرار ستتخذه؟
– أسعى أولاً إلى إضافة هيئة مستقلة للقيم والحقوق الثقافية إلى الهيئات المستقلة الست الموجودة في الدستور ومهمتها تصور الإجراءات الكفيلة بمطابقة كل دواليب الدولة لهذه القيم والحقوق الثقافية.
,, هل حدث أن ظلمت شخصاً وندمت على ذلك وأنت وزير؟
– يمكن أن يحدث ذلك في ظروف معينة ولكن ما إن يتبين لي خطئي، وسبحان الذي لا يخطئ، إلا وأعمل على إصلاحه بقدر المستطاع.
,, هل من وزير ثقافة تونسي غيرك خدم الثقافة والمثقفين؟
– الشاذلي القليبي لأنه المؤسس برعاية بورقيبة وحظي بدعمه.
,, من أسوأ وزير ثقافة عرفته تونس؟
– لا أتصور نفسي في مقام من ينتصب للحكم على الناس وبالخصوص الوزراء، فلكل حسناته وسيئاته مثل جميع البشر.
,, أي كتاب من كُتبك تعتز به أكثر؟
– الكتاب مثل الأبناء والبنات لكل مكانه في القلب، أما الكتاب الذي أعتز به كثيراً فهو «نظرية التطعيم الإيقاعي في الفصحى» الذي لم يلق حظه بما فيه الكفاية.
,, لماذا؟
– لأنه يفتح، في اعتقادي، آفاقاً جديدة وطريفة في البحوث العلمية والتكنولوجية المتعلقة بتطور لغة الضاد في القديم والحاضر والمستقبل.
,, كتابك «عابرة هي الأيام» هل تعتبره مذكرات أم سيرة ذاتية؟
– لا هذا ولا ذاك ولذلك أردفته بعبارة «بمثابة سيرة ذاتية».
,, هل قلت فيه كل شيء؟
– لا!
,, كنت أول مثقف عربي طالب ببرلمان للمثقفين العرب.. ما مصير هذه الفكرة؟
– اللامبالاة لتفشي الأمية الثقافية حتى عند كبار القوم.
,, كاتب تونسي تحبه كثيراً؟
– البشير خريّف.
,, مفكر عربي استفدت منه؟
– بالنسبة إلى هذه الفكرة لا أذكر أنني عثرت عليها عند أي كاتب عربي أو أجنبي. أما في مسائل أخرى فإني من الجيل الذي نهل من أدب كتاب المهجر وطه حسين وتوفيق الحكيم وعباس محمود العقاد وأبي القاسم الشابي والفاضل بن عاشور ومحمود المسعدي. ثم إني بقيت أتابع باستمرار ما ينشر في الوطن العربي وأستفيد منه.
,, كاتب سعودي تقرأ له باستمرار؟
– غازي القصيبي.
,, أمنية عزيزة عليك كمثقف عربي تحلم بإنجازها؟
– برلمان المثقفين.
,, نصيحة منك إلى الأدباء الشبان العرب؟
– الانفتاح على كل ثقافات العالم وترك التطرف مهما كان.
,, مثل شعبي تونسي تردده من حين إلى آخر؟
– «الماء اللي ماشي للسدرة الزيتونة أولى بيه».
,, حكمة لا تفارقك؟
– لا تكن حقوداً دنيئاً.
,, عادة فيك من عاداتك الحسنة؟
– تجاوز أخطاء الغير.
,, وعادة سيئة؟
– عدم اغتنام الفرص.
,, بماذا خرجت من تجاربك في الحياة؟
– بالإقدام والمثابرة فيما هو خير وترك التردد جانباً.
,, ماذا تقول لنفسك كل صباح؟
– لا تؤخر عمل اليوم إلى غد.
,, وماذا تقول لها كل مساء؟
– نَمْ هانئاً ولا تحير نفسك.
,, هل ندمت على شيء في مسيرتك الطويلة الفكرية والثقافية والسياسية؟
– نعم، ندمت على انسياقي إلى دروب السياسة ولولا ذلك لكان إنتاجي الإبداعي شعراً ونثراً أغزر بكثير

Print Friendly

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *