Download PDF

س : في أيّ اتجاه يسير مستقبل تونس الثقافي اليوم ؟
ج : إنّ مستقبل تونس بعد الثّورة حدّدته وثيقة على أساسها تمّ تشكيل حكومة الشّاهد وهي ما تزال تتحسّس خطاها وليس لي إلاّ أن أتمنّى لها النّجاح. وكذلك بالطّبع فيما يتعلّق بالميدان الثّقافيّ.
س : الى أيّ مدى يمكن القول إنّ تونس تعيش بعد الثورة يتما ثقافيا؟
ج : هذا يقتضي تحديد معنى اليتم الثّقافيّ. وأنا لا أتصوّر أنّ تونس الضّاربة في الحضارة والثّقافة منذ آماد طويلة تصاب باليتم الثّقافيّ أي في معنى أن يصبح التّونسيّون ريشة في مهبّ رياح الدّيماغوجيا والفوضى الثّقافيّة والفكريّة. وإن عصفت بهم تيّارات أيديولوجيّة طارئة هدّامة محاولةً جرّهم إلى متاهات ما أن أنزل الله بها من سلطان فإنّهم سريعا ما يثوبون إلى رشدهم ومعنى ذلك أن يعودوا إلى الكرع من مقوّمات شخصيّتهم التّونسيّة الزّاخرة بالقيم والمؤمنة أساسا بالتّقدّم والحداثة على حسب المشروع الإصلاحي الّذي بعثه من سنّوا دستور 1861 . وهذا ما عملت مجلّة الفكر طوال 31 سنة على تركيزه في الأذهان ويمكن للقارئ الكريم أن يرجع إلى كتاب في 365 صفحة ( دار تونس للنّشر 2016 ) عنوانه : الفهرس المفصّل لأهمّ الأغراض والمواقف الواردة في مجلّة الفكر ونشرتُه بصفتي رئيس تحرير هذه المجلّة سابقا. والمطّلع على هذا الكتاب وبالخصوص الافتتاحيات والدّراسات الّتي كتبها المرجوم محمّد مزالي مدير هذه المجلّة يتبيّن أنّ الصّورة الّتي روّجها بن علي عنه هي مغرضة ومخطئة. وللأسف فإنّي قرأت أخيرا مقالا أوردته هذه الجريدة المتعوّدة على التثبّت وقول الحقيقة يردّد طرحا خاطئا عن محمّد مزالي وبالخصوص أنّه هو الّذي أفسد مسار التّربية في البلاد عند تعريبه للبرامج. والواقع أنّ الّذي عرّب الفلسفة وعرّب الحساب في الابتدائي هو إدريس ﭬـــيـــﭭــة. ناهيك أنّه، وهو وزير للتّربية، سافر إلى سوريا التّي عرّبت التّعليم بما في ذلك الفلسفة والعلوم العصريّة، وبقي هناك 15 يوما. وعلى أساس سفرته أقنع برورقيبة بضرورة التّعريب مبيّنا له أنّ التّلامذة أصبحوا لا يفهمون الفرنسيّة. بينما لم يتمكّن محمّد مزالي من تطيق برنامجه في مرّات ثلاث عيّن فيها وزيرا للتربية. فكلّما شرع في الإصلاح إلاّ ويستبعد من الوزارة. علما أنّه كان متمسّكا باللغة والثّقافة الفرنسيّة على أساس أنّها أصبحت مقوّما من مقوّمات النّهضة التّونسيّة كما حدّدها رجال الإصلاح في مشروعهم الّذي تبنّاه بورقيبة بعد الاستقلال. ثمّ إنّ محمّد مزالي هو الّذي أسّس معهدا تُدرّس فيه اللغة الانـــﭭـليزيّة وهو معهد أريانة الّذي ما أن تسلّط بن علي على الحكم حتّى أزاله.
س : طرحت مشروعا ثقافيا كيف تقدم ابرز عناصره
ج : المشروع الّذي طرحته بعد الثّورة وبعد المصادقة على دستور الجمهوريّة الثّانية نشرته على الجرائد وشرحته في وسائل الإعلام وهو وثيقة متكاملة يجد القارئ نصّها في موقعي الألكتروني (www.bechirbenslama.com). وسأكتفي هنا نظرا إلى طولها بتلخيصها وبالتّركيز على الإجراءات العمليّة.
وبدأت ببيان إشكالات المسألة الثّقافيّة من أمّيّة تعليميّة وأمّيّة ثقافيّة وحسب أحدث البحوث في هذا الباب فإنّ الأمّية الثّقافيّة تعني افتقاد المرونة فكرا وممارسة في التّعامل مع الذّات ومع الآخر، مع الماضي الموروث، ومع الحاضر ومستحدثاته، مع مفردات الحضارة ومنجزاتها. هي إذن التّحجّر الفكريّ والعقائديّ، والتّزمّت الدّينيّ والقوميّ والأيديولوجي والمذهبيّ، وضيق الأفق بكافّة أشكاله، والتّعصّب الأعمى لهذا الطّرف دون سواه، وسمّاها بعضهم الجاهليّة الأولى.
وبما أنّ السّياسة في مفهومها الحداثي غرضها الأوّل والأخير هو ضمان العيش الكريم للمواطن في ظلّ دولة القانون والمؤسّسات فإنّها تقتضي أن تكون هناك مواطنة حقيقيّة تنبني أساسا على القيم الثّقافيّة، وتقرأ حسابا، بجدّ وفعاليّة، للحقوق الثّقافيّة، وتعمل جاهدة على تجسيم البعد الثّقافيّ في صلب التّنمية الشّاملة حسب ضوابط عمليّة. وعلى هذا الأساس شرحت معنى القيم الثّقافيّة وارتباطها بالتّربية والعلم والتّكنولوجيا، ووسائل الاتّصال، ومفهوم الإبداعيّة، ونوعيّة المحيط والإطار الحياتيّ، والتّعاون الثّقافيّ الدُّولي وحوار الثّقافات. أمّا بالنّسبة إلى الحقوق الثّقافيّة فأكّدت ضرورة الاستناد إلى بيان فريبورغ الّذي وضّح أنّ انتهاك الحقوق الثقافيّة هو من بين أحد أهم أسباب التوتّرات والصّراعات الّتي يمرّ بها العالم الآن، بل يقرّ هؤلاء الخبراء بأنّ انتهاك الحقوق الثقافيّة هي أيضا من أحد أسباب انتشار الإرهاب في العالم. وبيّنت أنّ هذه العناصر مجتمعة لا يصحّ وجودها إلاّ من خلال الدّيمقراطيّة والاندماج في الاقتصاد. ولم أكتف بالتّحليل النّظريّ بل طرحن أهمّ الإجراءات العمليّة وهي متكاملة ولا تقبل التّجزئة. وذلك بوجوب إضفاء مفهوم القيم والحقوق الثّقافيّة على مشاريع التّنمية الشّاملة. ولكن كيف يمكن الوصول إلى تطبيق ذلك فيما يتعلّق بالتّنمية الشّاملة. في اعتقادي يجب أن نتوخّى المراحل حتّى يقتنع أوّلا أصحاب القرار بأنّ هذا المشروع جدير بأن يولوه الاهتمام وثانيا طبقات المجتمع. لذلك أقترح :
1. العمل على إقناع أصحاب القرار بالتّداول في وجوب إضافة هيئة مستقلّة للقيم والحقوق الثّقافيّة إلى الهيئات السّتّ الموجودة في الدّستور ومهمّتها تصوّر الإجراءات الكفيلة بمطابقة كلّ دواليب الدّولة لهذه القيم والحقوقالثّقافيّة.
2. وحرصا على النّجاعة وموازاة لذلك يحسن أن تحدث السّلطة التّنفيذيّة وزارة دولة للقيم والحقوق الثّقافيّة في رئاسة الحكومة مهمّتها تحسيس المسؤولين في الإدارة والمؤسّسات لأخذ مفهوم القيم والحقوق الثّقافيّة بعين الاعتبار ومساعدة الهيئة المستقلّة على تصوّر محتوى عملها وقابليّته للتّطبيق.
3. إحداث وكالة لتشجيع الاستثمارات الثّقافيّة (APICC) تكون مهمّتها إيجاد الإطار القانونيّ لحثّ رؤوس الأموال على الاستثمار في الصّناعات الثّقافيّة وكلّ ما يتعلّق باقتصاد الثّقافة .
4. تفعيل قانون الملحق الثّقافيّ الّذي جمّده بن علي. والعناية بالشّؤون الخارجيّة فيما يتعلّق بدورها في الإشعاع الثّقافيّ وإحداث المراكز الثّقافيّة في أهمّ مدن العالم تحت سلطة السّفير حتّى يمكن ضمان إشعاع تونس ثقافيّا بصورة عنبيّة.
5. تطوير هذه الهيئة لتصبح في آخر المراحل مجلسا للمثقّفين مهمّته استشاريّة.
س. ما هو المطلوب من المثقف اليوم.
ج : هو أنّ يتبنّى المثقّفون من خلال جمعيّاتهم ومنظّماتهم الثّقافيّة هذا المشروع بعد مناقشته وتقديم المقترحات الّتي يرونها مرحليّا.
س : دعوت الى تشكيل برلمان للمثقفين العرب، هل تعتقد ان مثل هذا البرلمان قادر على حلحلة الاشكاليات الثقافية العالقة وما أكثره.
ج : الجواب عن السّؤال السّابق فيه ما يشفي الغليل.
س : الكاتب حين يمتطي صهوة السلطة هل تراه قادرا على تأسيس مشروعه الثقافي والإبداعي الخاص به.
ج : عند تطبيق هذا المشروع تتحدّد الصّلاحيّات ويصبح المثقّف قادرا على مواصلة أعماله الإبداعيّة بصورة طبيعيّة.
س : أصبحت اللغة العربية اليوم تهددها المخاطر على اكثر من صعيد كيف تنظر الى المسالة ؟
ج : هذا الموضوع يحتاج إلى حوار خاصّ به وقد تطرّقت إليه مجلّة الفكر سابقا وشرحته في مؤلّفاتي العديدة.
س : الحراك السياسي كيف تتابعه بعين السياسي والمثقف والأديب ؟
ج : ما تسمّيه الحراك السّياسيّ بالنّسبة إلى أغلب الاتّجاهات يسوده نوع من الفوضى والتّشتّت يجعل من الصّعب متابعته بدقّة على الرّغم من جدّيّة أغلبه وعمقه.
س : من وجهة نظرك كمثقف ما هي المخاطر التي تهدد المسار الدّيمقراطي اليوم ؟
ج : علاوة على ما في الإرهاب من خطر على الدّيمقراطيّة فإنّ ما فيها من حرّيّة يجعل المواطن في أغلب الأحيان لا يعرف التّفريق بين حقوقه وواجباته. وبالخصوص نسيانه أنّه ينتمي إلى دولة تقتضي فيها المواطنة الشّعور بالوطنيّة والبعد عن كلّ ما اتّصف به إنسان هذه البلاد في القرون الخوالي من سلبيّات

كالعروشيّة والعنصريّة والنّرجسيّة وكلّ ما كان يفرّق بين التّونسيّ والتّونسيّ كما كان ذلك في عهد البايات وفي التّيّارات السّياسيّة والاجتماعيّة الّتي عرفتها تونس بعد الثّورة.

http://www.alchourouk.com/233453/674/1/-%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%A1_%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%85%D9%8A%D8%B3:%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A7%D8%AA%D8%A8_%D9%88%D9%88%D8%B2%D9%8A%D8%B1_%D8%A7%D9%84%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%A8%D9%82_%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%B4%D9%8A%D8%B1_%D8%A8%D9%86_%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%A9_%D9%84%D9%80%D9%80_%C2%AB%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%88%D9%82%C2%BB_:%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A7%D9%83_%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A_%D9%81%D9%8A_%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3_%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%85_%D9%8A%D8%B3%D9%88%D8%AF%D9%87_%D9%86%D9%88%D8%B9_%D9%85%D9%86_%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%88%D8%B6%D9%89_%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B4%D8%AA%D8%AA-.html

Print Friendly

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *