Download PDF

إنّ إصدار مجلّة مهما كانت، وبالخصوص في تونس، يعدّ مغامرة تحتاج إلى الشجاعة لمجابهة ما يقتضيه هذا الإنجاز عمليّا من حنكة ودراية بمجريات الأمور، وما يفرضه من وعي وفهم عميق، لا للتّيّارات الفكريّة والثّقافيّة فحسب، بل لما يعتمل في المجتمع أيّ مجتمع، من تطوّرات سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة وغيرها. وإنّ إقدام السيد خالد شوكات على إصدار وإدارة مجلّة  » المصير  » بمساعدة مدير التّحرير عبد السّلام لصليع الإعلاميّ والصّحفيّ المميز ليعدّ إنجازا بارزا، وهو بذلك يسدّ فراغا في هذا الباب.
وإنّ أخطر ما يقدم عليه صاحب مجلّة هو الاستناد إلى مرجعيّة سواء كانت فكريّة أو ثقافيّة أو دينيّة أو مذهبيّة مهما كانت، وبالخصوص عندما يتمثّل ذلك في مرجعيّة تعتمد شخصيّة بالذّات، سياسيّة أو فكريّة أو ثقافيّة بصورة عامّة. ويظهر أنّ صاحب مجلّة المصير قد اختار أن يكون عبد العزيز الثّعالبي رمزا أساسيّا تتمحور حوله عدّة مقالات ودراسات. انطلاقا من قناعاته وخلفياتها الإيديولوجية. وهو أمر لا ضير فيه طالما أنّ الثّعالبي كان زعيما سياسيّا بارزا ومثقّفا له مرجعيّاته الواضحة، وخطيبا مفوّها، وكاتبا تناول قضايا سياسيّة وفكريّة وفلسفيّة لفتت الأنظار في زمانه لا في تونس فحسب بل في العالم وبالخصوص الإسلاميّ منه. وهو إلى ذلك ناشر كتاب  » تونس الشّهيدة  » بباريس بإمضائه وبالفرنسيّة (مع أنّه لا يعرف الفرنسيّة (، ولكن مع ثلّة من الزّعماء منهم صالح فرحات ومحي الدّين القليبي وأحمد توفيق المدني، وأحمد السّقّا وهو إلى ذلك مؤسّس للحزب الحرّ الدّستوريّ التّونسيّ ( سنة1920 ) الّذي انشقّ عنه الزّعيم الحبيب بورقيبة سنة 1934 لتأسيس الحزب الحرّ الدّستوري الجديد (الدّيوان السّياسيّ).
ثمّ إنّ محور هذا العدد الثّاني من مجلّة المصير يدور حول عبد العزيز الثّعالبي. وهي كتابات من إمضاء السيد خالد شوكات وغيره وهي مركّزة على نضال هذا الزّعيم فكريّا وسياسيّا. وليس في نيّتي نقد ما قيل عن هذا الزّعيم وفي أغلبه شيء من الصّحّة وإن هو لا يرقى، في كثير من الأحيان، إلى الدّقّة العلميّة. ذلك أنّ موضوعي في هذا المقال هو أني سأحاول بعجالة تصويب بعض الأخطاء التّأويليّة فيما يتعلّق بمسيرة بورقيبة وفكره السّياسيّ، وأركّز بالخصوص على ما جاء من الادّعاء بأنّ محمّد مزالي هو سليل الثّعالبي فكريّا وسياسيّا. وهو أمر مناف تماما للواقع والحقيقة طالما أنّي واكبت مسيرة محمّد مزالي من 1955 إلى وفاته سنة 2010.
يدّعي خالد شوكات أنّ الحزب الدّستوري الجديد ليس له أيّ موقف إصلاحي، بينما من يرجع إلى لوائح مؤتمرات هذا الحزب ومجالسه الملّيّة يتبيّن أنّ له نظرة مغايرة لتمشّي عبد العزيز الثّعالبيّ ناهيك أنّ بورقيبة هو أوّل من تحدّث في مقالاته أواخر العشرينات عن الشّخصيّة التّونسيّة ومقوّماتها موضّحا نظرته التقدّميّة المرتبطة أساسا بالعالم الغربيّ في حداثته وعصريّته وتجذره في تاريخ تونس الثري مع تمسّكه بالحضارة العربيّة الإسلاميّة. أمّا استنقاص خالد شوكات لبورقيبة واعتباره أنّه سطا مثلا على محتوى إصلاح الطّاهر الحدّاد فهو من باب التّجنّي على هذا الزّعيم الفذّ. وليس غايتي في هذا المقال توضيح الرّؤية حول مآتي هذا الزّعيم وإنّما غايتي هي تفنيد المغالطات الّتي انساق إليها خالد شوكات في أكثر من مرة عن محمّد مزالي، وهي مغالطات تعمّدها بن علي وأبواقه أيضا لخلفيات من نوع آخر في تشويه سمعة مزالي والادّعاء بأنّه هو الّذي أفسد التّعليم بالتعريب وأنّه مهّد للفكر الاخواني وشجّعه.
ومن يرجع إلى كتابات محمّد مزالي وخطبه يتبيّن أنّه لم يشر في أيّ مرّة إلى الثّعالبي وأنّ مرجعيّته هي البورقيبيّة وأنّه انحاز في الخلاف بين بورقيبة وصالح بن يوسف إلى الخطّ البورقيبي مع تأكيده أنّ الحرّيّة والدّيمقراطيّة هي من ركائز الحزب الدّستوريّ الجديد ومن يرجع إلى كتابه الديمقراطيّة الصّادر سنة 1955 يتبيّن أنّه بعيد عن تبنيّ خطّة الثّعالبي. وهذا الكتاب هو مجموع المحاضرات الّتي ألقاها في الحملة الانتخابيّة متنقّلا بين كلّ الجهات إلى انتصاب المجلس التّأسيسي سنة 1956.
وعندما أسّس محمّد مزالي مجلّة الفكـــر في أوّل أكتوبر 19555 ركّز افتتاحيّاته علـــى فكــــرة واحدة وهــــــــــــي  » البحث عن مذهب فكري تونسي يخرج بنا من فوضانا العقليّة الحاضرة وقلقنا العنيد فيكسب أقوالنا وأعمالنا وحياتنا على وجه العموم معنى ساميا وينزّلنا المنزلة اللائقة بين الأمم « . وهو لم ينفكّ يحلّل مقوّمات الشّخصيّة التّونسيّة من إسلام ولغة وغيرهما. وهو يؤمن بالإسهام المستنير للإسلام وبالمرجعية الفلسفية البورقيبيّة ولم يذكر مرّة واحدة الثّعالبي.
لذا فإنّ التلميح أو الادعاء بأنّه ساهم في تنمية التيار الإخواني عار عن الصّحّة كما أنّ اتّهامه بأنّه أفسد التعليم بتعريبه مناف للواقع. ذلك أنّه في اضطلاعه بوزارة التّربية في السّبعينات (ثلاث مرّات على فترات قصيرة) لم يشرع في تطبيق نظرته لإحلال اللغة العربيّة مكانتها في التعليم وهي واضحة في جل أطروحاته وخاصة من خلال محاضرته حول التّونسة والتّعريب (23 فيفري 1971 ) في أسبوع التّعريب الّذي نظّمه اتّحاد الطّلبة التّونسيّين وأوكل إلى محمّد مزالي افتتاحه بمحاضرة أولى. و في تحليله أكّد على وجوب الحفاظ على اللغة الفرنسيّة كلغة ثانية ثمّ إنّه باغت الجميع ففضّل الحديث عن التّونسة ومن يريد معرفة رأيه في الموضوع ما عليه إلاّ الرّجوع إلى هذه المحاضرة. وفي الواقع فإنّ إدريس ﭬـــيـــﭭـــة الّذي تولّى وزارة التّربية من 1973 إلى 1976 هو الّذي أقنع بورقيبة بتعريب الفلسفة في آخر سنة من التّعليم الثّانويّ وكذلك الحساب في سنوات التّعليم الابتدائي بعد أن قضى 15 يوما بسوريا للاطّلاع على تجربة هذا البلد الشّقيق في تعريب الفلسفة والعلوم. ولمّا رجع محمّد مزالي إلى وزارة التّربية سنة 1976 لم يعرّب الحساب في سنوات التّعليم الثّانوي. إذن هذا هو الواقع ولو كان محمّد مزالي متعصّبا للعربيّة بالصّورة المنغلقة الّتي روّجها عنه خصومه السّياسيّون لما نال جائزة متميّزة في السّربون في حفل مشهود، وهو المتخرج من هذه الجامعة العريقة.
إذن يمكن القول في ختام هذا التّصويب، الذي اضطر إلى تقديمه حتى أضع حدّا لبعض الأطروحات الغريبة، أنّ خالد شوكات انساق عن حسن نيّة في نسج نظرية تتنافى كليا مع شخصية الرجل وقناعاته ومسيرته الفكرية وكتاباته، وهو قد يساهم عن غير قصد في تثبيت ما لا يزال ينفثه أتباع بن علي من سموم ضد محمّد مزالي رحمه الله، بينما الواقع يفنّد ذلك. ويا ليت وسائل الإعلام والمثقّفين الصادقين والنزهاء من سائر أهل السّياسة سواء من في الحكم أو في المعارضة يُقدمون على إعطاء كل ذي حق حقه وانتهاج الموضوعية وإرجاع الاعتبار إلى رجل الدولة والمثقف الّذي قدم لتونس خدمات جليلة في ميادين عديدة.

Print Friendly

Laisser un commentaire

Votre adresse de messagerie ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *