أزمة القراءة في تونس والبلدان العربيّة

تعوّدت في قراءاتي اليوميّة سواء كانت تتعلّق بالصّحف اليوميّة أو المجلاّت أو الكتب الحديثة أن أخصّص دائما حصّة ولو قصيرة جدّا لمطالعة نصّ من النّصوص الشّعريّة أوالنّثريّة الخالدة، عربيّة كانت أو فرنسيّة، لا لمحتواها فقط بل لصياغتها المتفرّدة حتّى أصون ذائقتي من التّلوّث اللّغويّ اليوميّ الّذي يصيبها. وكثيرا ما أركن إلى كتابات الجاحظ أطالعها بإمعان لأنّه الكاتب العربيّ المثاليّ الّذي صاغ التّعابير العربيّة على قدّ مقتضيات عصره، وهو عصر أدخل الفكر العربيّ بقوّة في حداثة لم تمّح بعدُ.

وكثيرا ما أعثر على تعابير ننقلها من اللّغات الأجنبيّة، وخصوصا من الفرنسيّة لتؤدّي معنى شائعا. ومنه مثلا ما تعنيه كلمة la déformation professionnelle فوجدت أنّ الجاحظ يقول : فلان أدركته غلبة الصّنعة، عوضا عن الانحراف المهني الشّائع في المعاجم. وأنا عندما اطّلعت على فحوى هذه النّدوة غلبتني الصّنعة اللّغويّة إذ استوقفتني كلمة قراءة، وقلت هل هي المطالعة أو شيء آخر، لأنّ أساتذتي الأجلاّء في الصّادقيّة كانوا يفرّقون بين القراءة والمطالعة. فحصّة القراءة شيء وهو قراءة نصّ أثناء دراسته في الفصل، سواء كان نثرا أو شعرا، والمطالعة شيء آخر ويتعلّق بالحصّة الّتي يلخّص فيها كتاب من الكتب. ولكن عند التّدقيق وجدت أنّ قرأ الكتاب أو طالعه أو تلاه هو نفس الشّيء. ولمزيد التّمحيص رأيت أنّ المتعارف اليوم هو تخصيص لفظة التّلاوة بالقرآن والقراءة بالنّصّ القصير والمطالعة بالكتاب. لذا خيّرت أن أتحدّث عن أزمة المطالعة أي الأزمة المتعلّقة بالكتاب الثّقافيّ لا الكتاب المدرسيّ سواء كان ذلك يعني الكتاب العربيّ بصفة عامّة أو الكتاب التّونسيّ بصفة خاصّة.

وهنا أيضا لا يمكن أن نتحدّث عن أزمة المطالعة من دون أن نثير مشاكل إنتاج الكتاب أي إصداره من المؤلّفين النّاشرين أو دور النّشر العموميّة أو الخاصّة. وهذه المشاكل كثيرة تتعلّق بطباعته، وتوزيعه، وتسويقه، توريدا وتصديرا، والتّعريف به في وسائل الإعلام قطريّا وقوميّا وعالميّا. وفيما يتعلّق بالكتاب الثّقافيّ التّونسيّ لا يمكن ألاّ نتطرّق أيضا إلى مواضيع دعم الورق والتّوصية بالنّشر، والتّوصية بالمطالعة في المدارس، والشّراءات التّشجيعيّة، وإدراج الأدب العربيّ المغربيّ والمشرقيّ في البرامج الجامعيّة والمدرسيّة. وكلّها استنبطناها ابتداء من الستّينات لحلّ مشكل إنتاج الكتاب ونشره، ولم تكن مسألة المطالعة بمثل الحدّة الّتي نعرفها اليوم.

وفي اعتقادي أنّ هذه المشاكل لن تكون ذات موضوع لو أنّ الإقبال على مطالعة الكتاب الثّقافيّ باللّغة العربيّة شبيه بما هو موجود في البلدان المتقدّمة أي الأوربّيّة أو الأمريكيّة. لو كان ذلك موجودا، أي الإقبال على الكتاب، لكانت المشاكل من نوع آخر.

أخلص الآن إلى صلب الموضوع وهو مطالعة الكتاب الثّقافيّ. فبالنّسبة إلى الكتاب العربيّ فليس لديّ إحصائيّات مضبوطة. ولكن المعروف أنّ أزمة المطالعة في المشرق العربيّ ليست بمثل الحدّة  الّتي نشهدها في المغرب والجزائر وتونس. لذا فإنّي سأقتصر على طرح أسئلة فقط تخصّ مطالعة الكتاب الثّقافي في تونس لأسباب منها أنّ الإحصائيّات الموجودة بين أيدينا تقتصر في كثير من الأحيان على إنتاج الكتاب ونشره وهي قريبة من الواقع في أغلب الأحيان ولكن عندما يتعلّق الأمر بالمطالعة تصبح هذه الإحصائيّات تقريبيّة بل وهميّة، ولا تعكس حقيقة الوضع، خصوصا أنّ الاستناد إلى المبيعات من الكتاب التّونسيّ  لا يدلّ على عدد القرّاء لأنّ الكتاب الواحد يتداول عليه العديد من القرّاء سواء كانوا تلامذة أو طلبة أو قرّاء عاديّين، وبالذّات إذا كان الكتاب مدرجا في البرامج التّعليميّة. وكذلك أن يأخذ الباحث التّردّد على المكتبات العموميّة بعين الاعتبار فذاك لا يعني شيئا إذ أغلب الموجودين هناك يستعملون المكتبة فضاء لإعداد الدّروس.

غير أنّ الثّابت هو أنّ معدّل عدد النّسخ المسحوبة في المطبعة بالنّسبة إلى الكتاب الواحد تدهور فبينما كان إلى أواخر الثّمانينات ثلاثة آلاف فما أكثر أصبح اليوم، حسب علمي، ألفا فقط. والثّابت أيضا، من دون الاستناد إلى إحصائيّة مضبوطة، أنّ مأ أسمّيه الأمّيّة الثّقافيّة تفشّت في هذه السّنوات بالرّغم عن كثرة عدد المتعلّمين النّاتجة عن انتشار التّعليم في جميع مستوياته. وفي رأيي أنّ الأمّيّة الثّقافيّة المتمثّلة في عزوف المتعلّمين عن الاهتمام بكلّ فنون الثّقافة من يوم الحصول على الشّهادات تضرب بصورة بشعة مجال المطالعة حتّى أنّ الكثيرين من أصحاب الاختصاص من مستويات عليا ازورّوا عن الكتاب وحتّى عن قراءة الجريدة والمجلّة إلاّ ما يدخل في اهتماماتهم المهنيّة.

ومن دون الإطالة في وصف هذه الظّاهرة يجب النّظر ولو بسرعة في الأسباب، نظرا إلى تقلّص الأمّيّة العادية الّتي كانت ضاربة أطنابها في المجتمع التّونسيّ. لأنّ معرفة الأسباب الحقيقيّة الّتي يجب أن تكون ناتجة عن بحوث ميدانيّة علميّة ودقيقة هي الّتي من شأنها أن توصلنا إلى الحلول النّاجعة وما دمنا مضربين عن إجراء هذه البحوث لأسباب سياسيّة وإيديولوجيّة فإنّه لا سبيل إلى الخروج من عنق الزّجاجة.

لذا فإنّني سأذكر جملة من الأسباب الّتي تراءت لنا كمسؤولين عن عدّة قطاعات وحاولنا، في وقت من الأوقات، التّوصّل إلى حلّ مشكل العزوف عن المطالعة، أو بالأحرى التّعمّق في العوامل الّتي كانت تحول دون الوصول إلى الغرض المطلوب. وهذه العوامل تتعلّق بالمحيط العائلي وبالمؤسّسة التّعليميّة وبالبيئة الاجتماعيّة.

ففيما يتعلّق بالأسرة فإنّ الطّفل أو الشّابّ الّذي لا يتعوّد في البيت وجود الكتاب، ولا يرى والديه يخصّصان وقتا للمطالعة ولا يحضّانه على ذلك فإنّه بالطّبع لا يهتمّ بالكتاب. ونحن نعرف أنّ جلّ الأولياء لا يخصّصون ركنا، ولو صغيرا، لمكتبة تضمّ روايات ومجموعات شعريّة وقصصا سواء بالفرنسيّة أو العربيّة.

هذا علاوة على أنّ المدرسة، وإن خصّصت مبدئيّا حصّة للمطالعة، فإنّ عوامل عديدة تجعل هذا الإجراء صوريّا. لأنّ عوامل عديدة تحول دون تحقيق نتيجة فعليّة في هذا الباب. أسوق بعضها للتدبّر :

* العامل النّفسيّ وهو إعداد الطّفل بيداغوجيّا ليجد متعة في المطالعة حتّى لا تكون الحصّة المخصّصة للمطالعة مجرّد فرض من الفروض يسعى التّلميذ ليتخلّص منه بصورة من الصّور. وهذا ليس بعزيز على المربّي المختصّ في هذه المادّة، والمتفرّغ لها. وهذا يحتاج بالطّبع إلى تغيير في المناهج، وهو ما سأتطرّق إليه لاحقا.

* عامل قلّة الكتب وندرتها في المدرسة وفي النّوادي. وقد تلافيت هذا الأمر بمشروع الألف مكتبة. إذ أصبحت مخازن وزارة الثّقافة تزخر، إثر بعث صندوق التّنمية الثّقافيّة بآلاف الكتب. إذ أمكن لي في ظرف سنتين إيجاد في العشرات من المدارس ونوادي الجمعيّات والمؤسّسات الصّناعيّة فضاء ولو صغيرا يحتضن العشرات من العناوين تحت مسؤوليّة إمّا مدير المدرسة أو رئيس النّادي أو المؤسّسة. وبالطّبع أجهض المشروع عندما ألغي صندوق التّنمية الثّقافيّة في جويلية 1986 بغد خروجي من الوزارة.

* عامل قلّة الوقت وهنا يضع المرء إصبعه على الدّاء الّذي ينخر المؤسّسة التّربويّة منذ زمان إذ نجد التّلميذ مرهقا والمربّي مثقلا بأعباء تطبيق البرنامج. والسّبب في رأيي، وقد عبّرت عنه في عدّة مناسبات منذ السّبعينات هو اختيار نظام تعليميّ شبيه بالنّظام الّذي كان يطبّق في المدرسة الصّادقيّة أثناء الحقبة الاستعماريّة وهو غير ما كان معمولا به عند يعث حير الدّين التّونسيّ للمدرسة الصّادقيّة قبل انتصاب الحماية. وقد ندّد بهذا الانحراف الأستاذ محمود المسعدي رحمه اللّه عندما كان كاتبا عامّا لنقابة التّعليم الثّانويّ في الأربعينات. ومن يريد الاطّلاع على حملته الشّعواء الّتي شنّها مع زملائه مثل الأمين الشّابي وأحمد عبد السّلام ومحمّد مزالي على إدارة العلوم والمعارف الاستعماريّة فليراجع آخر عدد من مجلّة المباحث الصّادر في أواخر سنة 1947، ولعلّ سبب توقّف هذه المجلّة عن الصّدور هو سيف إدارة الحماية المسلّط آنذاك على الصّحافة العربيّة اللّسان. . ولكنّ الأستاذ المسعدي للأسف طبّق ذاك البرنامج الّذي كان انتقده سابقا لمّا أصبح وزيرا للتّربية. وفي رأيي أنّ ما عليه الوضع اللّغويّ  المتذبذب في البلاد اليوم سببه هذا النّظام التّعليميّ الّذي يرتكز على ثنائيّة لغويّة مغلوطة وانتقائيّة وحشيّة. وما على الباحثين النّزهاء الّذين ليست لهم خلفيّات أيديولوجيّة وسياسيّة مسبقة إلاّ القيام ببحوث ميدانيّة علميّة دقيقة ليتبيّنوا أنّ المسألة خطيرة جدّا على مستقبل المجتمع التّونسيّ الحضاريّ والثّقافيّ. وقد بدأت بيت الحكمة في سنواتها الأولى بالقيام بدراسات لغويّة وألسنية للبحث في مشاكل تتعلّق بالقراءة، ولكنّها توقّفت ككلّ المشاريع الجدّيّة.

وإذا كان النّظام التّعليميّ التّونسيّ قد تبنّى منذ الاستقلال بتدخّل قويّ من بورقيبة، وبالرّغم عن المسؤول الأوّل عن التّربية آنذاك، الرّياضة المدرسيّة في جميع مستويات التّعليم فإنّه لم يكتب له، لأسباب يطول شرحها، أن يجعل من الثّقافة سندا للبرامج التّعليميّة حتّى لا يكون دورها هو تخريج حاملي شهائد فقط لا مثقّفين حقيقيّين، وقد قمت بتجربة في الثّمانينات مع وزارة التّربية ولكنّها أجهضت بشكل فظيع.

هذه بعض الخواطر سقتها باختصار شديد وهي تحتاج إلى مزيد التّفصيل ولكنّني شرحتها في مواطن عديدة، وهي مسجّلة في كتبي ودراساتي العديدة.

تعوّدت في قراءاتي اليوميّة سواء كانت تتعلّق بالصّحف اليوميّة أو المجلاّت أو الكتب الحديثة أن أخصّص دائما حصّة ولو قصيرة جدّا لمطالعة نصّ من النّصوص الشّعريّة أوالنّثريّة الخالدة، عربيّة كانت أو فرنسيّة، لا لمحتواها فقط بل لصياغتها المتفرّدة حتّى أصون ذائقتي من التّلوّث اللّغويّ اليوميّ الّذي يصيبها. وكثيرا ما أركن إلى كتابات الجاحظ أطالعها بإمعان …

Continue reading أزمة القراءة في تونس والبلدان العربيّة

لمّا طلب منّي الصّديق العزيز إسماعيل بو لحية مدير ورئيس تحرير مجلّة المغرب الموحّد أن أكتب في مصطلح الأمّة التّونسيّة وهل عُدّ عندنا في وقت من الأوقات بديلا عن القوميّة العربيّة تردّدت بضع لحظات ثمّ قبلت. تردّدت لأنّ الموضوع قديم ظهر بحدّة أواخر الخمسينات، ونحن في تلك الفترة في نشوة الانتصار على الاستعمار، وفي خضمّ …

Continue reading حول مصطلح الأمّة التّونسيّة

تقديم لمسرحيّة المتمرّد

هل يحقّ لمن أنجز عملا أدبيّا* أن يتحدّث عنه ويشرحه للقرّاء ما دام الإبداع كفيلا وحده بالإفصاح عن نفسه بنفسه، طالما أنّ، كما قال أحد الكتّاب، تحفز على القيام بإبداع لا يشبه صاحبه، ويتجاوزه في كلّ الاتّجاهات؟ لا مجال إذن بالنّسبة إليّ أن أتحدّث عن المسرحيّة الّتي كتبتها، وأن أطنب في محتواها وأغراضها ومعانيها، ومقاصدها …

Continue reading تقديم لمسرحيّة المتمرّد

Arabe
Il est difficile d’énumérer les dizaines d’interwiews,
d’articles de presse,d’études parues dans des revues ou livres relatant l’œuvre de Béchir Ben Slama et émanant d’illustres écrivains du Maghreb et du Machrek comme Najib Mahfoudh, Ghali Chokri,
Ahmed Abdelmoati Hijazi, Anis Mansour, Mohammed Bennis,Abdelkarim Ghallab, Abdelaziz Charaf, Rachid Dhawadi, Aissa Naouri, Ahmed Bahaiddin, Nabil Radhwane, Amal MoKhtar,Ahmed Mammou, …

Continue reading Bibliographie et références